ابن خلكان
27
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وليس يكلمك أحد إلا قطعته لأيّ معنى ؟ فقال حاتم : معي ثلاث خصال بها أظهر على خصمي ، قالوا : أيّ شيء هي ؟ قال : أفرح إذا أصاب خصمي ، وأحزن له إذا أخطأ ، وأخفض نفسي لا تتجاهل عليه ، فبلغ ذلك أحمد بن حنبل ، فقال : سبحان اللّه ما أعقله من رجل ! وقال أبو جعفر الهروي : كنت مع حاتم كرّة وقد أراد الحج ، فلما وصل إلى بغداد قال : يا أبا جعفر ، أحب أن ألقى أحمد بن حنبل ، فسألنا عن منزله ومضينا إليه فطرقت عليه الباب فلما خرج قلت : يا أبا عبد اللّه أخوك حاتم ؛ قال : فسلم عليه ورحب به وقال بعد بشاشته به : أخبرني يا حاتم فيم أتخلص من الناس ؟ قال : يا أبا عبد اللّه في ثلاث خصال ، قال : وما هي ؟ [ قال : ] أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئا ؛ قال : وتقضي حقوقهم ولا تستقضي منهم حقا ؛ قال : وتحمل مكروههم ولا تكره واحدا منهم على شيء ؛ قال : فأطرق أحمد ينكت بإصبعه الأرض ثم رفع رأسه وقال : يا حاتم ، إنها لشديدة ، فقال له حاتم : وليتك تسلم وليتك تسلم وليتك تسلم . وقال رجل لحاتم : على أي شيء بنيت أمرك ؟ قال : على أربع خصال : على أن لا أخرج من الدنيا حتى أستكمل رزقي وعلى أن رزقي لا يأكله غيري ، وعلى أنّ أجلي لا أدري متى هو ، وعلى أن لا أغيب عن اللّه طرفة عين ، وقال : لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك لاحترزت منه ، وكلامك يعرض على اللّه فلا تحترز منه . وقال رجل لحاتم الأصم : بلغني أنك تجوز المفاوز من غير زاد ، فقال حاتم : بل أجوزها بالزاد وإنما زادي فيها أربعة أشياء ، قال : وما هي ؟ قال : أرى الدنيا كلها ملكا للّه ، وأرى الخلق كلهم عباد اللّه وعياله ، والأسباب والأرزاق بيد اللّه ، وأرى قضاء اللّه نافذا في كل أرض للّه ؛ فقال له الرجل : نعم الزاد زادك يا حاتم ؛ أنت تجوز به مفاوز الآخرة . وقال حاتم : جعلت على نفسي إن قدمت مكة أن أطوف حتى أنقطع ، وأصلّي حتى أنقطع ، وأتصدق بجميع ما معي ، فلما قدمت مكة صليت حتى انقطعت وطفت كذلك فقويت على هاتين الخصلتين ولم أقو على الأخرى ؛